أبو الليث السمرقندي

75

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

اليهود كانوا يقولون : إن الجنة لنا خاصة من دون سائر الناس . قال اللّه تعالى لمحمد صلى اللّه عليه وسلم : قل لهم : إن كان الأمر كما يقولون إن الجنة لكم خالصة خاصة . فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ ، أي سلوا اللّه الموت إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أن الجنة لكم . فقال لهم النبي صلى اللّه عليه وسلم : « قولوا إن كنتم صادقين : اللّهمّ أمتنا ، فو الّذي نفسي بيده لا يقولها رجل منكم إلا غصّ بريقه » ، يعني يموت مكانه . فأبوا أن يقولوا ذلك ، فنزل قوله تعالى : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ يعني بما عملوا من المعاصي . قال الزجاج : في هذه الآية أعظم حجة وأظهر دلالة على صحة رسالته صلى اللّه عليه وسلم ، لأنه قال لهم : فتمنوا الموت ، وأعلمهم أنهم لن يتمنوه أبدا فلم يتمنه واحد منهم . وفي هذه الآية دليل أن « لن » لا تدل على التأبيد ، لأنهم يتمنون الموت في الآخرة خلافا لقول المعتزلة في قولهم : لن تراني ويقال : إن قوله ( لن ) إنما يقع على الحياة الدنيا خاصة ، ولم يقع على الآخرة لأنهم يتمنون الموت في النار إذا كانوا في جهنم ، ولو أنهم سألوا الموت في الدنيا ولم يموتوا ، وكان في ذلك تكذيبا لقول النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وكان في ذلك أيضا ذهاب معجزته . فلما لم يتمنوا الموت ، ثبت بذلك عندهم أنه رسول اللّه وظهر عندهم معجزته ، وظهر أن الأمر كما قال تعالى : وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ، فهو عليم بهم وبغيرهم من الظالمين ؛ وإنما الفائدة هاهنا أنه عليم بمجازاتهم . ثم قال عز وجل : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ ، يعني أن اليهود أحرص الناس على البقاء . وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ، يعني أحرص من الذين أشركوا . قال الكلبي : الذين أشركوا يعني المجوس . وقال مقاتل : أحرص الناس على حياة ، وأحرص من الذين أشركوا يعني مشركي العرب . فإن قيل : كيف يصح تفسير الكلبي والمجوس لا يسمون مشركين ؟ قيل له : المجوس مشركون في الحقيقة ، لأنهم قالوا بإلهين اثنين : النور والظلمة . قوله تعالى : يَوَدُّ أَحَدُهُمْ ، يعني المجوس يقولون لملوكهم في تحيتهم : عش عشرة آلاف سنة وكل ألف نيروز . وقال مقاتل : يود أحدهم - يعني اليهود - لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ، ثم قال : وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ ، يعني طول حياته لا يبعده ولا يمنعه من العذاب وإن عاش ألف كما تمنى . وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ أي عالم بمجازاتهم بأعمالهم . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 97 إلى 98 ] قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ( 97 ) مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ ( 98 ) قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ ، وذلك أن عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه -